الجاحظ
95
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
الخصوم . وكان شيخا وقورا ، وزمّيتا ركينا « 1 » ، وكان ذا تصرف في العلم ، ومذكورا بالفهم والحلم . [ مفهوم البلاغة عند الهند ] قال معمّر ، أبو الأشعث : قلت لبهلة الهندي أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند ، مثل منكة وبازيكر وقلبرقل وسندباد وفلان وفلان : ما البلاغة عند الهند ؟ قال بهلة : عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة ، ولكن لا أحسن ترجمتها لك ، ولم أعالج هذه الصناعة فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها ، وتلخيص لطائف معانيها . قال أبو الأشعث : فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها : أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة . وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش ، ساكن الجوارح ، قليل اللحظ ، متخير اللفظ ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ولا الملوك بكلام السوقة . ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة ، ولا يدقق المعاني كلّ التدقيق ، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح ، ولا يصفها كل التصفية ، ولا يهذبها غاية التهذيب ، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما ، أو فيلسوفا عليما ، ومن قد تعوّد حذف فضول الكلام ، وإسقاط مشتركات الألفاظ ، وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة ، لا على جهة الاعتراض والتصفح ، وعلى وجه الاستطراف والتظرف . قال : ومن علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا ، وتلك الحال له وفقا ، ويكون الاسم له لا فاضلا ولا مفضولا ، ولا مقصرا ، ولا مشتركا ، ولا مضمّنا ، ويكون مع ذلك ذاكرا لما عقد عليه أول كلامه ، ويكون تصفحه لمصادره ، في وزن تصفحه لموارده ، ويكون لفظه مونقا ، ولهول تلك المقامات معاودا . ومدار الأمر على أفهام كل قوم بمقدار طاقتهم ، والحمل عليهم على أقدار منازلهم ، وأن تواتيه آلاته ، وتتصرف معه أداته ، ويكون في التهمة لنفسه معتدلا ، وفي
--> ( 1 ) الزميت : الحليم الساكن القليل الكلام . الركين : الرزين .